محمد متولي الشعراوي

1328

تفسير الشعراوى

إذن ف « اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ » أي أنه سيعطى كل عبد على قدر حركته ونيته في الحركة ؛ فالذي أحب ما عند اللّه من النعمة فليأخذ النعمة ويفيضها اللّه عليه . أما الذي أحب اللّه وإن سلب منه النعمة ، فإن اللّه يعطيه العطاء الأوفى ، وذلك هو مجال مباهاة اللّه لملائكته . . ومن أقوى دلائل الإيمان وكماله . . إيثار محبة اللّه ورسوله على كل شئ في الوجود : عن أنس رضى اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : من كان اللّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما ، وأن يحبّ المرء لا يحبه إلا اللّه ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه اللّه منه كما يكره أن يقذف في النار » « 1 » . إن هناك العبد الذي يحب اللّه لذاته ؛ لأن ذاته سبحانه تستحق أن تعبد ، فذات اللّه تستحق العبادة ؛ لأنه الوهاب ، الذي نظم لنا هذا الكون الجميل . إذن فقوله الحق : « وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ » يعنى أن اللّه يعلم مقدار ما يستحق كل عابد لربه ، وعلى مقدار حركته ونيته في ربه يكون الجزاء ، فمن عبد اللّه للنعمة أعطاه اللّه النعمة المرجوة في الجنة ليأخذها ، ومن أطاع اللّه لأنه أهل لأن يطاع وإن أخذت - بضم الألف وكسر الخاء - النعمة منه فإن اللّه يعطيه مكانا في عليين . ولذلك قيل : إن أشد الناس بلاء هم الأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل . لماذا ؟ لأن ذلك دليل صدق المحبة . والإنسان عادة يحب من يحسن إليه ، ولا يحب من تأتى منه الإساءة إلا إن كانت له منزلة عالية كبيرة . إنه مطمئن إلى حكمته ، إنه ابتلاه - وهو يعلم صبره - ليعطيه ثوابا جزيلا وأجرا كبيرا ، والحق يقول : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( 110 ) ( سورة الكهف ) لقد قال : « فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ » ولم يقل جنة ربه وهكذا يجب ألا تشغلنا النعمة - الجنة - عن المنعم وهو اللّه سبحانه وتعالى ، وإذا كان الحقّ قد طلب منا ألا نشرك بعبادة ربنا أحدا فلنعلم أن الجنة أحد .

--> ( 1 ) رواه مسلم والبخاري .